أرحب بك يا عزيزي القارئ مجددًا في السلسلة النفسية التي سندرس فيها سويًا علم النفس، ابتداءً من ركائزه.
الجزء السابق كان أهم ما ذكرته هو النظرة العلمية والمنهجية الصحيحة التي يتبعها علم النفس لدراسة الظواهر النفسية، فهو لا يكتفي بالاعتقاد أو بتفسير الظواهر بالأساطير، بل يقوم العلماء التجريبيون بتجارب نفسية ليتأكدوا من صحة النظرية.
وفي مقالنا لهذا اليوم سنفصل في التجارب العلمية، وسنعرف بالمنهج الارتباطي والقياس كأدوات للدقة العلمية ومحاربة الاعتقادات الكاذبة.
التجارب العلمية النفسية
من المؤكد أنك رأيت تجربة علمية مسبقًا، وإن لم تفعل فلا بد أنك صادفت هذا المفهوم في مكان ما. والشائع عنه مواقف اجتماعية أو مواقف لأشخاص تم تنظيمها من أحد الأخصائيين النفسيين، وعلميًا هي مواقف تُصنع بمهارة لإثارة سلوك معين، ثم مراقبته ومقارنته بين مجموعات معرضة للشروط، ومجموعات ضابطة غير معرضة لها.
ويقصد بالشروط هنا الظروف أو المعالجات التجريبية، كالمتغير المستقل والمتغير التابع.
مفاهيم جديدة عليك، صحيح؟ دعني أفسرها لك ببساطة رفقة مثال لأحد التجارب.
تخيل يا قارئي الشغوف أننا أخصائيون في هذا المجال، وأثارنا فضول حول نوعية العلاقة بين ساعات النوم وقوة التركيز.
فأول خطوة نتخذها لبناء التجربة هي بناء فرضية لنتائج التجربة، والتي تسمى بالفرض، وهو توقع علمي قابل للاختبار قبل التجربة، لتكون النتائج إما داحضة له أو موافقة له.
فكانت فرضيتنا كالتالي: ساعات النوم تؤثر على قوة التركيز.
خطوتنا التالية للتأكد من صحة الفرض هي الإتيان بمجموعتين: مجموعة تجريبية ومجموعة ضابطة.
المجموعة الأولى، وهي المجموعة التجريبية، ستتعرض لتقليل ساعات النوم، أما المجموعة الثانية، المجموعة الضابطة، فستتعرض لنوم موافق لعدد ساعات النوم الطبيعية. وسميت بالضابطة لأن المبتغى منها المقارنة بين ما هو طبيعي وغير طبيعي.ولضمان دقة النتائج.
إن كل تجربة يقام تنظيمها تعتمد على مفهومين ذكرتهما سابقًا: المتغير المستقل والمتغير التابع.
المراد من تجربتنا هذه هو معرفة تأثير عدد ساعات النوم على تركيز الإنسان، فالمتغير المستقل هنا هو عدد ساعات النوم، فنقوم بتغييره والتحكم به لمعرفة تأثيره على المتغير التابع، وهو قوة التركيز، الذي يمثل النتيجة والاستجابة الناتجة عن تأثير المتغير المستقل، وهو عدد ساعات النوم.
ولزيادة دقة التجربة يجب ضبط المتغيرات، كالعمر والجنس والحالة الاجتماعية إلى آخره، بين الأشخاص المشاركين في التجربة، لنحرص على أن تظل الظروف الأخرى ثابتة، لتضمن أن التغيير ناتج عن المتغير المستقل فقط.
وبعد انقضاء تجربتنا العلمية، اتضح فعلًا أننا على صواب، فقد بدأ التركيز الطويل على أصحاب النوم الطبيعي، وقد فشلت المجموعة الأولى في التركيز المطول.
ما رأيك في القيام بتجربة أخرى؟
لطالما رغبت في معرفة مدى تأثير العنف على الصحة النفسية للأطفال. أظن أن هذه فكرة جيدة لتجربة نفسية جديدة، لكن كيف سنقوم بها؟ هل سنجيء بأطفال ونعرضهم للعنف لندرس صحتهم النفسية بعدها؟ بالطبع لا.
المنهج الارتباطي
وهنا يأتي دور أهم المفاهيم في علم النفس التجريبي، وهو المنهج الارتباطي.
عندما تكون التجربة مستحيلة أو غير أخلاقية، نلتجئ إلى المنهج الارتباطي، وهو دراسة وجود العلاقة بين ظاهرتين، هل توجد صلة بينهما أم لا، دون تحديد أيهما السبب والنتيجة، مع افتراض أن هناك أسبابًا أخرى.
أنواع الارتباط
الارتباط الإيجابي: يتحرك المتغيران في نفس الاتجاه، إذا زاد الأول زاد الثاني، مثال: العلاقة بين ساعات الدراسة والتحصيل الدراسي.
الارتباط السلبي (العكسي): يتحرك المتغيران في اتجاهين متعاكسين، مثال: العلاقة بين مستوى القلق والتركيز في الامتحانات.
الارتباط الصفري (المنعدم): لا توجد أي علاقة أو نمط يربط بين المتغيرين، مثال: العلاقة بين طول قامة الشخص ونسبة ذكائه.
تجربتنا لهذه المرة ستكون مختلفة، فبدلًا من بناء مواقف وملاحظتها، سنقوم بدراسة الظاهرة على أطفال يعيشونها في الواقع.
ونحتاج في دراستنا هذه عملية حسابية قد تبدو معقدة قليلًا، اعتمادًا على معامل الارتباط بيرسون.
r = (n×ΣXY − ΣX×ΣY) / √[(n×ΣX² − (ΣX)²)(n×ΣY² − (ΣY)²)]
عند حساب معامل الارتباط، ستكون النتيجة بالضرورة بين -1 و+1.
إذا كانت النتيجة قريبة من +1، فهذا يعني ارتباطًا طرديًا قويًا بين الظاهرتين، وإذا كانت قريبة من الصفر فلا توجد علاقة ارتباطية، وإذا كانت قريبة من -1، فهذا ارتباط عكسي.
| رقم الطفل | | الطفل 1| | الطفل 2 | | الطفل 3 | | الطفل 4 | | الطفل 5
عدد مرات التعرض للعنف (X) | 8 6 4 3 1 درجة الاضطرابات النفسية (Y) | 45 35 25 20 10
بعد تطبيق معادلة معامل ارتباط بيرسون على البيانات السابقة، كانت النتيجة:
r=+1
وهذا يدل على وجود ارتباط إيجابي قوي جدًا بين عدد مرات التعرض للعنف ودرجة الاضطرابات النفسية، أي كلما زاد التعرض للعنف زادت الاضطرابات النفسية.
القياس
وآخر مفهوم معنا هو القياس. ففي تجربتنا هذه، وقبل الشروع في حساب معامل الارتباط بيرسون، كان لا بد أولًا من قياس الاضطرابات النفسية لدى الأطفال المشاركين. ولتحقيق ذلك، أخضعنا المشاركين لمقياس الاضطرابات النفسية، وهو اختبار يتكون من عدة أسئلة حول ما نريد قياسه. وللقياس شروط؛ فيجب أن يقيس ما وُضع له دون شيء آخر، وأن يعطي نتائج متقاربة في كل مرة يجتاز فيها الفرد الاختبار، لبيان ثباته.
وهكذا نكون قد تعرفنا على أهم المناهج التي يعتمد عليها علم النفس في دراسة السلوك الإنساني، بدايةً بالتجارب العلمية، مرورًا بالمنهج الارتباطي، وانتهاءً بالقياس النفسي. ولعل ما يميز هذه المناهج أنها لا تعتمد على التخمين أو الانطباعات الشخصية، بل على الملاحظة والبيانات والأدلة العلمية، مما يجعل نتائجها أكثر دقة وموثوقية. وفي الجزء القادم سنواصل رحلتنا مع مفهوم جديد من مفاهيم علم النفس، لنقترب أكثر من فهم هذا العلم الشيق.

