وها قد عدت من جديد بجزئية مختلفة مثيرة للاهتمام، أطلعك فيها يا عزيزي القارئ عن مفهوم جديد، ألا وهو علم النفس النمائي** أو الارتقائي**.
لم يكن النمو الإنساني بشيء عادي أو بمسألة هينة، بل كان محط اهتمام العديد من العلماء، وعلى رأسهم جان بياجيه، الذي قدم العديد من النظريات والتفسيرات حول هذا الجانب من علم النفس. ويهتم علم النفس الارتقائي بدراسة التغيرات التي تطرأ على سلوك الفرد عبر مراحل نموه، وبعبارة أخرى، فإن الاهتمام هنا منصب على أنماط التغير التي تحدث عبر المراحل المختلفة، وأسبابها، والاضطرابات التي يمكن أن تعترض هذا المسار، سواء على المستوى العقلي أو الانفعالي أو الاجتماعي.
يمر الإنسان خلال نموه بعدة مراحل أساسية، تطرأ خلالها تغيرات مختلفة، ويكتسب فيها العديد من السلوكيات والصفات التي تميزه عن المرحلة التي سبقتها. ولا يعني الانتقال من مرحلة إلى أخرى مجرد زيادة في العمر، بل هو انتقال في طريقة التفكير والإدراك والتفاعل مع العالم.
أولا: المرحلة الجنينية
جميعنا يعلم أن الجنين يحتاج إلى نحو تسعة أشهر حتى يكتمل نموه ويكون مستعدا لبدء حياته خارج الرحم، لكن الكثيرين يظنون أن هذه المرحلة لا تأثير لها في حياة الطفل بعد الولادة، وهذا بالطبع غير صحيح. فصحة الأم أثناء الحمل مرتبطة بصحة الجنين، وقد تؤثر بعض الأمراض أو الظروف التي تمر بها الأم في نموه الجسدي والعقلي.
ولا يتوقف الأمر عند النمو الجسدي فقط، فالجهاز العصبي والحواس يبدأان في التطور تدريجيا خلال هذه المرحلة، مما يجعل المرحلة الجنينية أساسا مهما لما سيأتي بعدها. وكأن الإنسان يبدأ رحلته في النمو قبل أن يفتح عينيه على العالم أصلا.
ثانيا: مرحلة المهد والطفولة المبكرة
بعد الولادة يبدأ الإنسان مرحلة جديدة، ويبدأ معها في اكتشاف العالم المحيط به. وقد يبدو الطفل في أيامه الأولى عاجزا عن فعل الكثير، إلا أن جسده وعقله يحملان مجموعة من الاستجابات الفطرية التي تساعده على التفاعل مع البيئة وحماية نفسه.
ولا تحسبن يا عزيزي القارئ أن الإنسان يكتسب جميع أفعاله أو ردات فعله من محيطه، فبعض الاستجابات تظهر في وقت مبكر جدا من حياته. فهناك استجابات مرتبطة بالتوجع والانتباه، بينما تظهر بعض الانفعالات تدريجيا خلال الأشهر الأولى، مثل السرور والغضب والدهشة. ويختلف توقيت ظهور بعض هذه الانفعالات من طفل إلى آخر.
ويضاف إلى ذلك أن الإنسان يولد مزودا باستجابات تساعده على حماية نفسه. وقد أوضح إبراهيم عبد الستار في كتابه أسس علم النفس ذلك بمثال بسيط، فلو وضعنا طفلا حديث الولادة على بطنه، فإنه يستطيع إظهار استجابة تلقائية تساعده على تحريك رأسه عندما يشعر بما يعيق تنفسه. وهذا يوضح لنا أن بعض السلوكيات لا تحتاج إلى أن يتعلمها الإنسان أولا حتى تظهر.
أما الخوف، فقد يختلف توقيت ظهوره من طفل إلى آخر، إذ تتداخل فيه الاستعدادات الفطرية مع الخبرات التي يعيشها الطفل داخل محيطه.
ومع تقدمه في العمر، تبدأ قدراته الإدراكية في التطور، ويصبح أكثر اهتماما بما يحدث حوله. يبدأ في لمس الأشياء، وتحريكها، ومراقبتها، وكأنه يخوض سلسلة لا تنتهي من التجارب الصغيرة التي تساعده على فهم العالم.
وهنا تظهر أهمية ما قدمه جان بياجيه في دراسة النمو المعرفي لدى الأطفال. فقد اهتم بياجيه بالطريقة التي يفكر بها الطفل، وليس فقط بما إذا كانت إجابته صحيحة أم خاطئة.
ومن أشهر التجارب التي استخدمها بياجيه تجربة الاحتفاظ بالكمية. فقد كان يعرض على الطفل إناءين متماثلين يحتويان على الكمية نفسها من السائل، ثم ينقل محتوى أحدهما إلى إناء أطول وأنحف. ورغم أن كمية السائل بقيت نفسها، فإن الطفل الأصغر سنا قد يعتقد أن الإناء الأطول يحتوي على كمية أكبر، لأنه يعتمد في حكمه على المظهر الخارجي للسائل.
أما مع التقدم في العمر والنمو العقلي، يصبح الطفل أكثر قدرة على إدراك أن تغير الشكل لا يعني تغير الكمية. وهنا تظهر لنا نقطة مهمة: الطفل لا يفكر بطريقة الشخص البالغ، بل يمر تفكيره بمراحل يتطور فيها تدريجيا.
ولا تقتصر هذه المرحلة على الإدراك فقط، فالطفل يبدأ أيضا في بناء وعيه بذاته وبما حوله. وفي البداية قد يرى العالم من زاويته الخاصة، فيظن أن الأشياء تدور حوله وأن الآخرين يرونها بالطريقة نفسها التي يراها هو.
فإن عدت إلى أيامك أو إلى أعوامك التي مضت إلى الوراء، ربما ستتذكر أنك كنت تعشق رؤية القمر وتتخيل أنه يتبعك أينما ذهبت. ألم تفكر يوما في تفسير هذا الاعتقاد؟ إن الطفل في مثل هذه المرحلة يظن أنه محور الكون، ولا يزال وعيه أضعف من أن يستوعب بعض التفسيرات التي تبدو لنا اليوم بديهية. ولذلك يستعين بالخيال ويحاول من خلاله تفسير ما يجري حوله.
ثالثا: مرحلة ما قبل المدرسة
ثم ينتقل الطفل إلى مرحلة ما قبل المدرسة، حيث يبدأ عالمه الاجتماعي في الاتساع بشكل أكبر. لم يعد محيطه مقتصرا على الوالدين، بل يصبح أكثر اهتماما بالأطفال من حوله، ويزداد ميله إلى اللعب معهم والتفاعل معهم.
واللعب في هذه المرحلة ليس مجرد وسيلة للترفيه كما قد يبدو لنا، بل هو وسيلة يتعلم الطفل من خلالها الكثير عن العالم الاجتماعي. فهو يبدأ في تقليد الآخرين، ويتقمص أدوارا مختلفة يراها في محيطه. قد يصبح طبيبا في لحظة، ثم معلما أو والدا في لحظة أخرى، ويعيد تمثيل ما يراه في حياته اليومية.
ومن خلال تقمص هذه الأدوار، يبدأ الطفل في فهم العلاقات الاجتماعية بصورة أفضل. كما يتعلم المشاركة والتعاون، ويبدأ في إدراك أن الآخرين لديهم رغباتهم الخاصة، حتى وإن ظل تفكيره متأثرا بخياله ونظرته الخاصة للعالم.
وفي هذه المرحلة تزداد قدرة الطفل على استخدام اللغة والتعبير عن أفكاره ورغباته، ويصبح أكثر فضولا وطرحا للأسئلة. وربما يرهق والديه بكثرة سؤال «لماذا؟»، لكنه في الحقيقة يحاول بناء تفسير للعالم من حوله.
رابعا: الطفولة المتوسطة من السادسة إلى الثانية عشرة
ومع بلوغ الطفل سن السادسة تقريبا، يدخل مرحلة جديدة، وهي الطفولة المتوسطة، حيث يصبح العالم الاجتماعي أكثر اتساعا وتعقيدا. يدخل المدرسة، ويتعرف على قواعد جديدة، ويصبح مطالبا بالقيام بواجبات لم تكن موجودة في المراحل السابقة.
وهنا لا يعود الوالدان المصدر الوحيد لتقييمه، بل يبدأ رأي المعلم والأصدقاء في اكتساب أهمية أكبر. ويصبح الطفل أكثر قدرة على التعاون والمنافسة وفهم القواعد، كما يبدأ في مقارنة نفسه بالآخرين، فيكتشف نقاط قوته وضعفه والمهارات التي يمتلكها.
وتتطور قدراته العقلية كذلك، فيصبح أكثر قدرة على التفكير المنطقي وفهم العلاقات بين الأشياء. ويبدأ تدريجيا في الابتعاد عن بعض التفسيرات التي كان يعتمد عليها في طفولته المبكرة، لأن قدرته على النظر إلى الأمور بطريقة أكثر تنظيما تتطور مع الوقت.
كما تبدأ صورة الطفل عن نفسه في التشكل بصورة أكثر واقعية. فهو لا يرى نفسه فقط كما يتمنى أن يكون، بل يبدأ في بناء تصور عن قدراته ومكانته بين الآخرين. ولهذا قد يصبح النجاح والفشل والمدح والنقد أكثر تأثيرا في نظرته إلى ذاته.
خامسا: المراهقة والبلوغ الجنسي
ثم يصل الإنسان إلى واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيدا، وهي مرحلة المراهقة والبلوغ الجنسي. وفيها لا يحدث تغير واحد فقط، وإنما تجتمع تغيرات جسدية وعقلية وانفعالية واجتماعية في فترة زمنية متقاربة.
يبدأ الجسد في التغير، وتتغير معه نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين. يصبح المراهق أكثر وعيا بذاته، وأكثر اهتماما بكيف يراه الآخرون، كما تبدأ أسئلة جديدة بالظهور في ذهنه: من أنا؟ ماذا أريد؟ وما الذي سأصبح عليه في المستقبل؟
ولعل أصعب ما في هذه المرحلة أن المراهق يجد نفسه أمام مجموعة من الأدوار التي لم يكن مطالبا بها من قبل. فلم يعد مجرد طفل يعيش تحت مسؤولية والديه، بل أصبح مطالبا بأن يكون الابن البار، والصديق الذي يمكن الاعتماد عليه، والطالب الذي ينبغي أن ينجح، والشخص الذي عليه أن يفكر في مستقبله ويبني لنفسه طريقا جيدا.
وقد تتعارض هذه الأدوار أحيانا، فيجد المراهق نفسه بين رغباته الشخصية وبين توقعات الآخرين منه. يريد أن يثبت استقلاله، لكنه لا يزال يعتمد على أسرته. يريد أن يتخذ قراراته بنفسه، لكنه قد يسمع في الوقت ذاته عبارات تطالبه بأن يتصرف كطفل لأنه «ما زال صغيرا».
وهنا قد تظهر بعض مظاهر التشدد أو التمسك الشديد بالرأي. فالمراهق يحاول إثبات ذاته، ويبحث عن هويته الخاصة، وقد يشعر أن التخلي عن بعض أفكاره يعني التخلي عن جزء من شخصيته. وهذا لا يعني أن كل مراهق سيكون عنيدا أو متشددا، وإنما أن هذه المرحلة تحمل معها رغبة قوية في الاستقلال وتكوين الهوية.
وقد لا يفهم الآخرون هذه التغيرات دائما. فقد يرى الأهل أن ابنهم أصبح مختلفا فجأة، بينما يشعر المراهق من الداخل أنه يمر بمرحلة لم يختبرها من قبل ولا يعرف تماما كيف يتعامل معها. وبين نظرة الآخرين إليه ونظرته الجديدة إلى نفسه، يبدأ في بناء شخصيته الخاصة.
وهكذا نكتشف أن النمو الإنساني ليس مجرد رحلة ينتقل فيها الإنسان من عمر إلى عمر، بل هو سلسلة متواصلة من التغيرات التي تشمل الجسد والعقل والانفعالات والعلاقات الاجتماعية. فالإنسان يبدأ حياته جنينا يتأثر بما يحدث حوله، ثم طفلا يكتشف العالم بحواسه وخياله، ثم طفلا يتعلم القواعد والعلاقات الاجتماعية، وبعدها مراهقا يحاول أن يفهم ذاته ومكانه في هذا العالم.
ومن هنا تظهر أهمية علم النفس النمائي أو الارتقائي؛ فهو لا يكتفي بالسؤال عن كيف يتغير الإنسان؟، بل يحاول أن يفهم متى يحدث هذا التغير، ولماذا يحدث، وكيف تؤثر كل مرحلة في المرحلة التي تليها؟. وربما تكمن روعة هذا المجال في أنه يجعلنا ننظر إلى الإنسان لا باعتباره شخصية ثابتة، وإنما باعتباره كائنا يتغير باستمرار، ويحمل في كل مرحلة شيئا من المراحل التي سبقته
.

