ومن منا لا يعشق النجوم وضياءها، ويهوى النظر إلى البدر في تلك الليالي الظلماء؟ إن لم تكن مغرماً بالفضاء وتلك الكواكب الحسناء، فيجب عليك إعادة النظر في ذوقك واختياراتك البلهاء. فيا من فتنتهم الأجرام والمجرات، خطت يدي لكم هذا المقال رغبةً في الغوص بكم في علم الفضاء، وتقوية معلوماتكم وثقافتكم تجاه ما تحبون؛ ولكي لا تكتفوا بالنظر إلى السماء فقط، ولكي تفهموا ذاك العالم الذي يحجبكم عنه الغلاف الجوي…
موقعك في هذا الكون الشاسع
أول ما يتوجب على كل مبتدئ في علم الفلك هو أن يدرك مكانه وأين يتواجد في هذا الكون الشاسع. فلا تظننَّ، يا عزيزي القارئ، أن نظامنا الشمسي، الذي تشكل قبل نحو 4.6 مليار سنة، هو نهاية الكون، بل هو مجرد نظام كوكبي يتكون من الشمس، وثمانية كواكب، وأقمار طبيعية، وكواكب قزمة، وكويكبات، ومذنبات، وموطنه مجرة درب التبانة. وتضم هذه المجرة ما بين 100 و400 مليار نجم، ويُعتقد أن عددًا كبيرًا منها يستضيف أنظمة كوكبية شبيهة بنظامنا. وكل ذلك يوضح لنا مدى ضآلة الأرض في هذا الكون، ويدل على أننا لسنا محوره ولا مركزه، بل مجرد جزء صغير منه. وان كان الكون يضم كل هذه الارقام فلابد انه فضاء فسيح تتعدى مساحته كل توقعاتنا لكن هل يمكن القول ان الكون له نهاية ؟وان كانت كذلك فاين يمكننا ايجادها ؟…
حتى يومنا هذا، لم يستطع العلم الإجابة عن هذا السؤال. فكل ما نستطيع رصده هو ما يُعرف بالكون المنظور، أما ما يقع وراءه فما يزال مجهولًا. لذلك لا نعرف على وجه اليقين إن كان للكون حافة يمكن الوصول إليها، أو أنه يمتد إلى ما هو أبعد مما نستطيع تخيله ورصده. لكن يمكننا القول أن هناك حدا زمنيا سينتهي عنده الكون ويختفي وذلك من منظورنا الديني. فنؤمن بأن لهذا الكون نهايةً قدَّرها الله تعالى، وإن كان العلم لم يحسم بعد كيف ستكون.
وان ادركنا المساحة الهائلة التي يمكن ان يصل اليها الكون فسنطرح سؤالا وجيها إذا كان الكون بهذا الاتساع، فمن يشاركنا الكون؟ و….أين يتواجدون؟
منطقياً، لا يمكننا التواجد بمفردنا في عالم واسع كهذا، وهذه معضلة تسمى ب مفارقة فيرمي لذا فقد وضع الفيزيائيون والفلكيون والفلاسفة نماذج فكرية لتفسير عدم رؤيتنا لأي حضارة إلى الآن: فرضية المرشح العظيم: ربما هناك حاجز طبيعي يجعل من المستحيل على أي حضارة أن تتجاوز مرحلة معينة -مرحلة التكنولوجيا التي نمر بها-. ربما كل الحضارات التي وصلت إلى درجة التطور هذه أهلكت نفسها بحروب نووية أو شيء كهذا؛ أي أن هناك حاجزاً طبيعياً ينتهي عنده مجد حضارة بأكملها.
نحن الأوائل: ربما نحن بالفعل أول حضارة ذكية وواعية.
عجز التواصل: أو ربما هناك حاجز طبيعي يمنعنا من التواصل معهم لأسباب كونية.
لم يثبت العلم صحة أي من هذه الفرضيات؛ فهو يعتمد على الرصد، ونحن حتى الآن لم نرصد أي حضارة أخرى، لذا تظل تلك الفرضيات مجرد نماذج فكرية حاولنا أن نفسر بها الصمت الذي يحيط بنا.
السنة الضوئية: بين الماضي والحاضر
أدعوك، يا عزيزي القارئ، إلى الاستلقاء باسترخاء تحت ضوء القمر، والنظر بعيدًا إلى تلك النجوم اللامعة التي تزين السماء. لا بد أنك معجب بلمعانها وبريقها، لكن، وللأسف، فإنك تبصر ضوءًا قديمًا انبعث منها منذ سنوات، أي إنك ترى ماضي تلك النجمة البعيدة، لا هيئتها الحالية. ويعود ذلك إلى أن الضوء يحتاج وقتًا طويلًا ليقطع تلك المسافات الهائلة.
وهنا نصل إلى أحد أهم المفاهيم في علم الفلك، ألا وهو السنة الضوئية. فعلى عكس ما قد يظنه البعض، فهي ليست وحدة لقياس الزمن، بل وحدة لقياس المسافة، وهي المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة واحدة، وتبلغ نحو 9.46 تريليون كيلومتر.
تخيل أن أقرب نجم إلينا بعد الشمس يبعد عنا أكثر من أربع سنوات ضوئية، وهذا يعني أن الضوء الذي يصلنا منه اليوم قد غادره قبل أكثر من أربع سنوات. أما الشمس، بصفتها أقرب نجم إلينا، فيستغرق ضوؤها نحو ثماني دقائق فقط حتى يصل إلى الأرض.
ولا تنسَ، أيها القارئ الشغوف، أن السفر إلى النجوم سيستغرق أجيالًا وأجيالًا، وقد يتجاوز أعمار البشر أنفسهم.وهنا ندرك ان اقصى سرعه في الكون عجزت هي كذلك عن تجاوز تلك المسافات الهائله وجعلتنا نعيش بين ضفتي الماضي والحاضر.
وان لم تكن مدركا للامر فان اقصى سرعة يمكن ان يصل اليها الضوء هي حوالي 300,000 كيلومتر في الثانية. يسير بها في الفضاء دون غيره فسرعة الضوء تتباطأ على كوكب الأرض وبالضبط عند تجاوزه للهواء والماء والزجاج.
حياة النجوم: مصانع العناصر في الكون
في الفيزياء لا تُعد النجوم كائنات حية، لكنها تمر بدورة حياة تشبه الكائنات الحية؛ فلها بداية ونهاية، وما يهمنا حقًا في هذه الفقرة هو آخر لحظات حياتها وأوقات احتضارها. النجوم، يا عزيزي، تحتاج إلى دمج ذرات الهيدروجين لتوليد الطاقة التي تمنحها ذلك النور الذي يسطع ليلًا. وعندما ينفد معظم مخزونها من الهيدروجين، تبدأ النجوم الضخمة بدمج عناصر أثقل، كالهيليوم، ثم الكربون، والأكسجين، وصولًا إلى الحديد، وهو نقطة النهاية؛ إذ يتوقف عنده إنتاج الطاقة، فينهار قلب النجم على نفسه معلنًا انفجارًا هائلًا يسمى السوبرنوفا.
وبعد هذا الانفجار، قد يبقى من النجم نجمٌ نيوتروني أو ثقبٌ أسود، بينما تنتشر طبقاته الخارجية في الفضاء على هيئة غبار غني بالعناصر، مثل الحديد والكالسيوم والزنك وغيرها، وهي العناصر التي ستشارك لاحقًا في تكوين نجوم وكواكب جديدة وحتى بشرا.
لحظة... أقلتُ بشرًا؟؟؟؟… نعم، أمهلني قليلًا لأشرح لك أكثر...
إن ذلك الغبار لا يهبط مباشرة إلى الأرض، بل يختلط أولًا بالسحب الغازية والغبارية المنتشرة في الفضاء. ومن هذه السحب تكوّن نظامنا الشمسي بأكمله، بما فيه الأرض. لذلك فإن المعادن الموجودة في أجسامنا، كالحديد في دمائنا والكالسيوم في عظامنا وأسناننا، قد صُنعت داخل نجوم سبقت شمسنا بمليارات السنين، ثم أصبحت جزءًا من المادة التي تكوّنت منها الأرض، ومنها تكوّنا نحن أيضًا.
وإن عدنا إلى أصلنا، فسنجد أننا مخلوقات خُلقت من تراب، وأن كثيرًا من العناصر التي يحملها هذا التراب قد وُلدت يومًا في قلب نجم، ثم انتشرت في الكون بعد موته، لتصبح بعد مليارات السنين جزءًا منا.
الثقوب السوداء: حين يعجز الضوء عن الهرب
النجوم مخلوقات مميزة؛ فحتى في مراحل احتضارها ونهايتها، تترك بصمة بحبر لا يمحى أثره في سائر أركان الكون.
تختلف نهاية النجوم باختلاف كتلها وحجمها. فالنجوم الضخمة، بعد انفجار السوبرنوفا، قد تتحول إلى نجم نيوتروني أو ثقب أسود، بينما تنتشر طبقاتها الخارجية في الفضاء على هيئة غاز وغبار غني بالعناصر الثقيلة. أما النجوم الأقل كتلة، مثل شمسنا، فلا تنفجر كسوبرنوفا، بل تنتهي حياتها متحولةً إلى قزم أبيض. وما يهمنا في هذه الفقرة هو الاحتمال الثاني؛ ألا وهو الثقب الأسود.كثير من الناس يظن أن الثقوب السوداء هي ثقوب ضخمة وسط فضاء الكون، وهذا ما يوحيه لنا اللفظ. ولكن هذا خطأ. فالشكل الهندسي للثقب الاسود يمثل كرة ثلاثية الابعاد وليس حفرة مسطحة في فضاء الكون ويتمثل في الفضاء ككرة سوداء مظلمة وقد تحيط به حلقة مضيئة من الغاز والغبار إذا كان يجذب مادة من محيطه.
ويتميز بجاذبية هائلة جدًاحيث أنها قوية لدرجة أن حتى الضوء لا يستطيع الهروب منها، ولهذا تبدو سوداء. ومن بين جميع الأجرام الكونية، بدت الثقوب السوداء وكأنها كسرت مجرى الزمن؛ فبسبب كتلتها الهائلة تشوه الزمكان حولها، فيتباطأ مرور الزمن كلما اقتربنا منها، وهو ما تنبأت به نظرية النسبية العامة.
من المهم ان ندرك بان ثقوب السوداء ليست مجرد اداه تدمير كونيه بل هي تلعب دورًا مهمًا في تطور المجرات، كما تؤثر في حركة النجوم القريبة منها.
لو افترضنا ان شمسنا تستطيع التحول الى ثقب اسود ( رغم ان هذا غير ممكن فكتلتها ليست كافيه ) سامهلك خمسه ثواني لتخيل المشهد ....من المحتمل انك تصورت حدوث انفجار هائل للكره الارضيه والكواكب الاخرى او وقوع كارثه كونيه لكن الامر مختلف فسيستمر الدوران بشكل طبيعي حول الثقب الاسود لكن سنموت بفعل التجمد الناتج عن انخفاض الحرارة اما بالنسبه للتاثير الجاذبي فسيظل مستقرا.
الى هنا تنتهي رحلتنا بين اساسيات علم الفلك وأتمنى ان يكون هذا المقال قد حفزك على الغوص بعمق في هذا العلم الفاتن. وقبل ان تقلب صفحتك الالكترونية يا قارئي العزيز أود أن اترك بين يديك معجما فلكيا لـأهم الألفاظ الكونية :
معجم المصطلحات الفلكية
الأجرام السماوية : كل الأجسام الموجودة في الفضاء، مثل النجوم والكواكب والمذنبات والمجرات.
الكوكب: جرم سماوي يدور حول نجم، ولا يصدر ضوءه بنفسه.
القمر الطبيعي: جرم يدور حول كوكب، مثل قمر الأرض.
الكويكب: جسم صخري صغير يدور حول الشمس، ويوجد معظمها بين المريخ والمشتري.
المذنب: جسم يتكون من الجليد والغبار والصخور، ويظهر له ذيل عند اقترابه من الشمس.
القزم الأبيض: البقايا الساخنة والكثيفة لنجم منخفض الكتلة، مثل الشمس، بعد انتهاء حياته.
كوكب قزم: جرم يدور حول الشمس ويشبه الكواكب، لكنه لم يستوفِ جميع شروط تصنيفه كوكبًا، مثل بلوتو.
المجرة: تجمع هائل يضم النجوم والكواكب والغاز والغبار، ويرتبط كله بقوة الجاذبية.
الزمكان: نسيج رباعي الأبعاد يجمع بين الزمان والمكان، ويمكن أن تنحنيه الكتل الكبيرة مثل الثقوب السوداء.
السديم: سحابة ضخمة من الغاز والغبار، قد تتشكل منها نجوم وكواكب جديدة
المادة المظلمة: مادة لم تُرصد مباشرة، ويستدل على وجودها من تأثيرها الجاذبي في المجرات.



إن هذا المقال يثبت أن الفيزياء ليست غريبة عن الميتافيزيقا فدراسة النجوم والثقوب السوداء والمسافات الكونية ليست مجرد ترف علمي، بل هي مرآة ننظر فيها لنفهم من نحن ومن أين أتينا وإلى أين نمضي. إنه نص يدعونا للتصالح مع حتمية النهايات (كالفناء والنهاية النجمية)والاعتراف بأن الموت الفيزيائي ليس سوى بوابة لإعادة تشكيل الحياة في صورة أخرى. لدي و بكل ختصار إن هدا المقال أقل ما يقال عنه رائع و الكاتبة أروع واصل موفقة.
لم أفهم المجرة والزمكان