يظن البعض أن الصحة النفسية والجسدية وجهان لعملة واحدة، وأن طريقة التعامل مع كليهما متشابهة، لكن الأمر ليس كذلك. فقد وقع العديد من الناس في هذالخطأ الفادح عندما حاولوا معالجة النفس واضطراباتها بنفس طريقة علاج الجسد وأعضائه، وعندما عاملوا المريض النفسي بنفس طريقة معاملة المريض الجسدي. فليس المكسور من قدمه كالمكسور من ماضيه أو عائلته؛ فالأول علته تُشفى، أما الثاني فالألم يلاحقه ويؤثر عليه مهما حاول.
لا أنكر أبداً أن الصحة النفسية والجسدية لهما ارتباط قوي في بعض الأحيان، لكن هذا لا يعني أنهما متشابهان. فقد يكون اختلال واحد منهما سبباً في اختلال الآخر.
لنأخذ على سبيل المثال مرضى السرطان (حفظنا الله وإياكم). هذا مرض جسدي خطير يحتاج إلى عناية مركزة ومراقبة مستمرة من الأخصائيين والأطباء. فما شعور أن تظل في المستشفى لأيام طويلة تتلقى علاجا وأنت تعرف احتمال النهاية الغير السعيدة؟ وكيف سيكون إحساسك عند فقدان خصلات شعرك بسبب العلاج الكيميائي؟ وبأي طريقة ستتقبل شكلك بعد ذلك؟ ولأي مدى ستتقبل حقيقة اصابتك بأخطر الأمراض التي تكون نسبة النجاة منها ضئيلة جداً؟ وهل ستبقى صحتك النفسية كما هي؟ بالطبع لا.
وهنا يظهر الترابط القوي بين هاتين الصحّتين. وهذا لا يظهر فقط عند مرضى السرطان، بل لدى العديد من الأشخاص الذين يصابون بأمراض خطيرة ومزمنة، والتي تحتاج وقتاً طويلاً من حياتهم الشخصية لتلقي العلاج. فالبقاء في غرفة المستشفى ليس أمراً سهلاً، و دائرة الممرضين والأطباء التي تحيط بك لاتجلب الراحة والأمان ؛ فكلها أوضاع قد تسبب الاكتئاب والحزن وفقدان الثقة بالنفس. لذلك يُنصح بزيارة أخصائيين نفسيين بعد التعافي من مثل هذه الأمراض المزمنة.
وكذلك الأمر مع الصحة النفسية.
إن كنت تعاني من الاكتئاب أو التفكير الزائد أو التوتر، فغالباً ما ينعكس ذلك سلباً على صحتك الجسدية، فيظهر على شكل صداع متكرر أو اضطرابات هضمية مثل القولون العصبي………
سأوضح الأمر أكثر رفقة المثال اللذي طرحه Dean Burnett في كتابه< فهم الأمراض النفسيه> ، حين شبّه العلاقة بينهما بالفرق بين الضفدع والكلب؛ فكلاهما يملك أربع أرجل، وكلاهما حيوان، بل إن اسميهما في اللغة الإنجليزية متشابهان، غير أنّه لا يمكن القول إن الضفدع كلبٌ صغير أخضر ومبلل، كما لا يصح العكس.
فطريقة العناية بكلٍّ منهما مختلفة تماماً؛ فإن تبنّينا ضفدعاً ، وأطعمناه طعام الكلاب، ووضعناه في سلة دافئة للنوم، كانت النتيجة ضفدعاً يابساً ميتاً. وهنا تتجلّى كارثة الخلط بين المفهومين.
في عالم الأمراض النفسية، الدواء ليس كافياً للتعافي، ولا توجد مناعة تقي من الوساوس ونوبات الهلع. وثلاثة أيام لا تكفي ليعود المرء كما كان، ولا تنتظر من المتعب نفسياً أن يعبر عما يشعر به بسهولة وسلاسة؛ فقد يكون هو كذلك غير مدرك بما يدور داخله، وقد لا يدرك أنه يعاني من مرض نفسي إلا بعد مدة طويلة.
بينما المصاب بالحمى أو ألم في المعدة سيصف لك إحساسه بوضوح. لذلك يكون من السهل تشخيص الأمراض الجسدية أكثر من الأمراض النفسية، لأن المريض يساعد الطبيب في فهم حالته من خلال وصف ما يشعر به.
أنماط العلاج
إن الخلط بين نمط علاج الأمراض الجسدية والنفسية كارثة. فقد اعتدنا، إذا أصبنا بعطب جسدي أو شعرنا بألم غير معتاد، أن نتجه إلى الطبيب لتشخيص حالتنا، ثم نحصل على الدواء المناسب ونلتزم بالراحة، فتعود أجسامنا إلى حالتها الطبيعية. وبسبب هذا الاعتياد، أصبحنا نسقط نفس النمط على الاضطرابات النفسية.
تخيل أنك تعاني من توتر داخلي أو اكتئاب مزمن، وبعد حديثك إلى مديرك قدم لك إجازة لمدة أسبوع. لكن هل أسبوع واحد كافٍ لتعود صحتك النفسية كما كانت؟ لا، خصوصاً إذا كنت تعاني من ضغط عميق أو إرهاق ذهني مستمر.
إن المجتمع يدعي أن زيارة طبيب نفسي كافية لتعود لحالتك الطبيعية ، فقد تٌسأل بعد ذلك: هل شُفيت؟ لكن هذا مستحيل. لقد اعتادوا على نمط علاج الأمراض الجسدية، فأصبحوا يخلطون بين الاثنين. تخيل أنك عدت إلى منزلك وجلست فوق سريرك تعاني من اضطرابات مؤلمة، ثم يدخل أحد أفراد الأسرة ويقول بقسوة: كفى، لقد زرت الطبيب ومر وقت طويل، توقف عن المبالغة… هذه الكلمات قد تكون كافية لتسبب نوبة نفسية جديدة.
إنهم لا يفهمون أنك تحتاج فهماً وتعاطفاً مضاعفا ليخفف عنك ما تشعر به، وأن الدماغ مختلف كلياً عن باقي الأعضاء التي يسهل فهم نمط عملها. كما أن الأخصائيين النفسيين مختلفون عن الأطباء المختصين في الأمراض الجسدية؛ فالأول يعالج عضواً نعرف طريقة عمله، بينما الطبيب النفسي يعالج عقلاً تختلف أفكاره ومشاعره من شخص لآخر.والكلام في مساحته العلاجية ضروري، فهو مرآة العقل، ولا يمكنك معرفة ما يمر به مريضك إلا من خلال حديثه. والعضو الجسدي له دور واحد لا يختلف من جسد إلى آخر، أما العقل مجموعة من الأفكار والعادات التي تختلف من شخص لآخر، لأننا لسنا متشابهين بالفطرة.
في نهاية المطاف، يبقى العقل ذاك الكون الذي لا تُقاس مسافاته بالأمتار، ولا تُداوى جراحه بالوصفات الجاهزة. إن الخلط بين الجسد والنفس ليس مجرد خطأ معرفي، بل هو ظلمٌ يُمارس بحق إنسانيتنا؛ فنحن نطالب النفس بمرونة المعدة، وننتظر من العقل أن يلتئم كجرحٍ سطحي، متجاهلين أن الألم النفسي يسكن في جوهر الوجود لا في ظاهره.
لذا، ربما حان الوقت لنكفّ عن البحث عن ‘وصفة’ للشفاء النفسي، ونبدأ في تعلّم ‘فنون’ احتواء الألم. فالتعافي ليس خطاً مستقيماً ينتهي بكلمة ‘شُفيت’، بل هو رحلة طويلة من التصالح مع الذات، وفهمِ تعقيدات هذا العقل الذي لا يشبه غيره. لنكن أكثر رفقاً بأنفسنا وبالآخرين، فخلف كل صمتٍ ثقيل، قصةٌ تحتاج إلى آذانٍ تسمع وبقلبٍ لا يطلب سرعة النتائج، بل يقدّر قيمة المسير.
