بين عقبات الحياة وصعابها تولد عقول مختلفة، وأذهان رفضت السطحية ورمت نفسها في عمق الحياة وجوانبها. وبينما كانوا يقظين منتبهين لكل ما يدور حولهم، ظل محيطهم نائماً، متتبعاً آثار أقدام من قبله، وإن كان ذلك يقودهم إلى ما لا ينفعهم. لقد رفضوا التغيير والاختلاف بصورة كاملة.
ما شعور أن يرنّ منبّهك وتستيقظ قبل الآخرين؟
هذا ما حدث مع أبرز الأشخاص الذين استيقظوا وسط سبات من حولهم. عاشوا الاختلاف في أبهى صورة، وعاشوا الاغتراب وجميع أنواع الوحدة.
واشتركوا في العديد من الصفات والحالات النفسيه:
كان هؤلاء الواعون والعاقلون يشعرون غالباً بعدم انتمائهم لمحيطهم، وهذا ما يسمى بالاغتراب الاجتماعي. فهو حالة تصيب الإنسان عند فقدان شعور الانتماء والرضا داخل المجتمع، وهو نوع من الانفصال عن المحيط والشعور بفقدان السيطرة والمعنى.
والاغتراب الاجتماعي لا يعني الوحدة، فهناك العديد من الناس يخلطون بينهما. الوحدة هي شعور مؤلم ناتج عن نقص في العلاقات الاجتماعية، بينما الاغتراب الاجتماعي أوسع من ذلك، وقد يؤدي إلى الوحدة.
اختلفت الآراء وتعارضت حول إيجابية هذا الاغتراب أو سلبيته. فمنهم من يقول إنه أمر سلبي يشعر صاحبه بعدم الأمان والغربة الدائمة، ومنهم من يرى أنه الخطوة الأولى نحو بناء وتطوير وعي تقدمي، ويمكن أن يكون الوقود الذي يحرك الرغبة في التغيير الاجتماعي.
والرأي الثاني هو ما جسده أصحاب الوعي والعقلانية العالية، وهذا ما جعلهم يبدعون ويكتسبون القوة من العزلة والانفراد، رغم أنهم ظلوا يعانون في صمت.
الحساسية النفسية العالية: هي صفة تميز أصحاب الوعي العالي، وجعلتهم مختلفين عن غيرهم، رغم أنها كانت مرهقة لهم. فملاحظة التغيرات الطفيفة والاستجابة لها، والانتباه لجميع التفاصيل البيئية والمحيطية، أمر لا يتقنه الجميع.
وغالباً ما يترجم أصحاب هذه الحساسية عواطفهم وأحاسيسهم إلى تعابير فنية، كالكتابة والرسم والموسيقى. وهذا ما كنا نراه في العديد من الشخصيات التي مرت عبر التاريخ واشتهرت بالوعي والإبداع.
ورغم أن هذه الحساسية العالية، أو هذا الوعي المحيطي، يبدو إيجابياً حيث يمنح صاحبه يقظة مستمرة لما يدور حوله وفهماً سريعاً لما يجري، إلا أنها تحمل جوانب متعبة. وأولها الإرهاق والاستنزاف الناتج عن التفكير المستمر فيما يحدث، والرغبة القوية في التحليل، إذ إن العقل لا يتوقف عن تفسير التفاصيل. كما أثبتت بعض الدراسات أن أصحاب هذه الحساسية أكثر عرضة للاكتئاب والتوتر والتقلبات المزاجية. وقد تنتج عنها أيضاً ما يسمى بحساسية النقد، وذلك بالتركيز العميق على الكلمات التي تُقال، حتى ولو كان المقصود بها شيئاً آخر.
القلق الوجودي: هو طرح الأسئلة بشكل مستمر حول وجودك وذاتك، وإعادة النظر في أشياء اعتدت عليها وتبدو عادية. وهو ليس قلق الامتحان الإشهادي، ولا قلقاً من المستقبل، بل هو قلق من الوجود بحد ذاته.
من أنا؟ وهل للحياة معنى؟
كانت عقول الأشخاص الواعين تدور حول هذه الأسئلة دون أجوبة، وظلت تطرح تساؤلات مشابهة، مما زاد ارتباكهم الداخلي.
وأكبر مثال على هذه الحالة الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله، والذي راودته أسئلة وجودية حول المعنى: معنى حياته، وحقيقة ذاته. فكان يتساءل: من أنا؟ هل أنا مخلوق لرسالة معينة؟ هل ما أفعله صحيح؟وظل يشكك دون توقف في وجوده وما يراه وما يلمسه، وكل ذلك أدخله في متاهة ودوامة لا مخرج منها. وهكذا استمر الإمام يسأل ويشكك، إلى أن قرر اعتزال كل شيء. هجر عائلته ومنصبه والناس أجمعين، وفقد شهيته ورغبته في الحياة.
ظل منطوياً على نفسه لمدة عشر سنين، عشر سنين من البحث والشك والتساؤل، بحثاً عن جواب يستطيع أن يريح عقله.
وكان الإمام أبو حامد واحداً من أبرز من عاشوا هذا النوع من الشك، مثل ديكارت، ولا ننسى نيتشه وباسكال.ومن خلال قصة هذا الإمام، أردت أن أوضح فقط الطريق الذي قد يوصلك إليه السؤال الوجودي والشك. لكن لا نستطيع أن نعتبره أمراً صحياً تماماً أو مرضاً بحد ذاته، بل يرى الفلاسفة أنه ثمن الوعي.وقد يكون بداية النضج الداخلي، وبداية البحث عن المعنى، وبداية طريق خاص… أو لنقل بكل اختصار: إنه بداية الروح وولادتها.
إذا استوعبنا قليلاً كل ما سبق، سنلاحظ أن كل هذه الصفات تدور حول نقطة واحدة، أو لنقل إنها تندرج ضمنها، ألا وهي التفكير الزائد.
فإذا تأملنا الأمر، سنجد أن الاغتراب الاجتماعي يجعل عقلك يفكر بكثرة في الحلول الممكنة للخروج والهروب من سجن المجتمع والمحيط. وإن انتقلنا إلى الحساسية النفسية، سنلاحظ التفكير الزائد في تحليل التفاصيل المحيطة، والتركيز على الكلمات ونبرات الصوت ومحاولة فهمها أو القلق بشأنها، مما يجعل العقل آلة لا تتوقف.
ويزيد على ذلك التساؤل الوجودي الذي يتركك في فضاء شاسع بلا نهاية ولا حدود تتشبث بها، ناهيك عن التفكير النقدي والتمزق الداخلي، فهو صراع بين ما تؤمن به وما هو متوجب عليك عيشه، إضافة إلى التهميش الفكري..وكل هذا يجعلك تعيش في غربة اجتماعية لا متناهية، وعالم داخلي مليء بالتساؤلات.
ومن خلال كل ما قيل، نطرح سؤالاً وجيهاً:
هل الاستيقاظ والوعي خطآن يرتكبهما الإنسان؟
هل هما مشقة الذهن وعبء النفس؟
الأمر أشبه بغرفة مظلمة يتمدد على جوانبها نيام. استيقظت من حلم جميل بفعل منبهك وصوته الصاخب الذي أيقظك بفزع. جلست على حافة السرير تسترجع أحداث ذلك العالم والشعور الذي كان ينتابك فيه.
كانت الصدمة تعم ملامح وجهك، ولم تستوعب بعد أن كل ما كنت تعيشه هناك لم يكن الحقيقة. لكن من يشاركونك الغرفة لم ترن منبهاتهم بعد، ولم يستيقظوا. لا يزالون في عالم مليء بالفراشات.
لكن يا لك من محظوظ… لقد كان منبهك يعمل، فالكارثة إن كان معطلاً.
والآن يجب عليك القيام بمهامك اليومية، لكنك لا تستطيع التحدث، فجميعهم نيام، لذلك أنت مجبر على السكوت شئت أم أبيت، وعليك انتظار استيقاظ أحدهم.
فلا أنت تستطيع العودة إلى نومك،ولا أنت تود الاستمرار في يقظتك.
ها قد بدأ يراودك شعور سيء:
هل يجب أن تلوم المنبه لأنه أيقظك؟
لا، فهذا غباء منك.
إياك أن تلوم وعيك ويقظتك، فليس هما سبب شعورك بالوحدة والاغتراب. فأحياناً قد تحسدهم لأنهم نيام، لا يشعرون بما تشعر به.
تخيل لو كان الجميع مستيقظاً، لما عشت كل هذا، ولما لمت المنبه على ما فعل.
إذن المشكلة لا تكمن في استيقاظك، بل تكمن في نوم الآخرين.
هناك من الناس من يظنون أن الوعي يرمي صاحبه في حفرة العزلة والاغتراب النفسي، لكن هذا ليس صحيحاً. المشكلة تظهر في المجتمع، فلو أنه شاركهم نفس الجو والوعي، لما ترتبت عن اليقظة تلك المعاناة…. أوه… أنظر!!!!……. لقد رن منبّه أحدهم! يا للمفاجأة!
لكنه لم يستيقظ… لا، يا للفضاعة! لقد أسكته بعصبية وعاد إلى أحلامه الكاذبة!
هل هذا فعلاً هو الصواب في نظرك؟
قد تذكرك هذه الحالة بما يحدث عندما تمر بأزمة، أو مشهد في حياتك يصفعك صفعة توقظك من وهم وكذبة المجتمع وعالم الحياة. قد تتوضح لك الرؤية وتظهر لك الحقيقة، لكنك تفضل العودة إلى نومك، وترفض التعلم من التجربة والحدث.
وتذكر هذا دائماً: إن عدت بعد التجربة دون تغيير، فأنت لم تفعل شيئاً، ولو نجوت منها بنجاح.
وهنا نستطيع أن نسأل: لماذا يرفض الناس اليقظة ويفضلون العيش في الوهم، ويركضون نحو السطحية؟ ولماذا لا يستيقظ كل من مر بتجربة؟
البعض يفضل العودة إلى نومه عندما تظهر أمامه الحقيقة ويكتشف الطريق الصحيح، لكنه يغمض عينيه كأنه لم ير شيئاً. ليس لأنه لا يريد التغيير، بل لأنه يخاف من مشقة ذلك الطريق، ويخاف من الاستيقاظ وحيداً في ظلمة كئيبة لا يشاركه أحد الحياة داخلها.
إذن فالسطحية أحياناً ليست جهلاً، بل هروباً من الحقيقة، وخوفاً من التهميش. فيفضل الإنسان العودة إلى تلك الأحلام والتعايش معها، حتى وهو مدرك لعدم حقيقتها.
وعي الإنسان وحسه العميق ليس سهلاً، فهو يضعه في مواجهة مستمرة مع الحقيقة ومع نفسه. كما قالوا:
“ذو العقل يشقى في النعيم بعقله، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.”
هذه الكلمات تذكرنا أن الراحة الوهمية أحياناً أغرى من مواجهة الواقع، وأن البحث عن الحقيقة والوعي يحملان مسؤولية وجهداً مستمراً، لكنه في المقابل يمنح الإنسان قوة داخلية وفهماً أعمق للوجود.


أصبتِ جوهر الفكرة. فجحيم الوعي لا يكمن في كثرة ما نعرفه، بل في اتساع المسافة بين ما يراه الواعي وما يراه الآخرون. لذلك بدا تشبيهك برنين المنبّه قبل الجميع دقيقًا؛ لأن المستيقظ لا يعاني من اليقظة نفسها، بل من وحدتها.