نيكولا ميكيافيلي هو فيلسوف إيطالي مشهور، وُلد في فلورانسا عام 1469 في عائلة نبيلة. ألّف كتابه الشهير الأمير كهدية لأمير إيطاليا، ليقرأه ويعمل بما جاء فيه. ولم يكن يعلم أن هذا الكتاب سيصبح فيما بعد مرجعًا سياسيًا مهمًا للعديد من قادة العالم.
تضمّن هذا الكتاب أفكارًا سياسية تتعلّق بكيفية السيطرة على الشعوب والممالك والحفاظ على العرش، ومن أبرزها فكرة أن “الغاية تبرر الوسيلة”، رغم أنها لم تُعرض بشكل حرفي.
وقد اخترت هذا الموضوع للتحدث عنه وبيان موقفي منه. وذلك لرؤيتي لبعض الفئات التي تتبناها بشكل تلقائي دون رؤية ما وراء ستارها.
ليس كل ما كتب في كتاب شهير فهو صحيح، وليس كل قانون نطق به فيلسوف أو سياسي يجب اتباعه، وليست كل عبارة متداولة يجب تبنيها. ففكرة الغاية تبرر الوسيلة كانت بضع كلمات كافية لإقناع فئة من الناس بأن أفعالهم وسلوكياته مبررة من قبل غاياتهم السامية.وكأنها رخصة للتمرد والاعتداء بشكل مطلق فإن كان مبتغاك الأخير الوصول إلى السلام مثلا وأن تجعل دولتك قوية فأفعالك مبررة من قبل هدفك النبيل فلا يجب أن تحاسب على كذبك ونفاقك وظلمك واعتدائك، فقط لأنك تسعى للسلام، فكيف تود الوصول إلى الخير بالشر؟ وإلى الفضيلة بالرذيلة؟..... وهنا أين يظهر التناقض، وأين يمكننا أن نستنتج بأن الذي يسعى للخير بحق ستكون وسائله أيضا تدعو له،
إن تبني هذا القانون أو هذه القاعدة في حياتك اليومية سيقودك في غالب الأمر إلى خسران دائم.
تصور أن لك أسرة صغيرة مكونة من زوجة وأطفال. هدفك أو هدف أي أب أو رب أسرة مثلك هو الوصول إلى الاستقرار أو الاحترام من طرف زوجتك وأبنائك. فتبدأ بالصراخ وفرض آرائك وقراراتك كنوع من الترهيب والدعوة إلى الاحترام والطاعة وقد يصل بك الأمر إلى العنف.... أفعالك بالنسبة لك تدعو إلى شيء أساسي مهم، لكنك اخترت وسائل خاطئة.نعم، قد تصل إلى مبتغاك لكن بشكل مختلف.
وماذا لو؟ اصبح هذا الترهيب يدعو الى كرهك بدلا من احترامك والى العصيان فيما بعد بدلا من الطاعه ؟.
ما اريد توضيحه من خلال المثال ان نجاحك في الوصول الى المبتغى يصبح نسبيا بسبب الوسائل المناقضه للغايه او الغير مشروعة. ألم تسأل نفسك ما إذا كانت الوسيلة تخلق مشاكل أكبر وأكثر بدلاً من المساهمة في الوصول إلى الغاية؟ والعاقل يا عزيزي يتبع الوسائل التي توصله إلى غايته بطريقة مؤكدة دون أي نسب للخطأ.
كيف سيصبح المجتمع بعد اتخاذ كل فرد من أفراده هذه الفكرة كمبدأ أو قاعدة،أسيصير فوضى؟ أم غابةً يسودها قانون القوّة؟ حينها ستنعدم الأخلاق، وتغدو الإنسانيّة مجرّد أسطورة لا وجود لها، بينما يصبح الظلم والقسوة من أساسيات البقاء.
فلنعد إلى مرجعنا الأساسي والمهم وهو الدين، دين الإسلام الذي يدعو إلى الخير والسلم.
فعن النبي ﷺ قال : “لا ضرر ولا ضرار” نفهم من هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرم على المسلم أن يضر أخاه المسلم أو يلحقه مفسدة. والضرار مقابلة الضرر بالضرر. ولعل الاستغلال والاعتداء وكل أشكال المضرة للمسلم تدخل ضمن أحكام هذا الحديث. فالعداوة بين المسلمين قد تبدأ بحركةٍ أو سلوكٍ أو حتى فعلٍ بسيط، وهذا ما نهى عنه الدين بصورةٍ واضحة. لكنني لا أنكر أنّ هناك حالاتٍ محدودة يمكن فيها للغاية أن تبرّر الوسيلة.
فقد قال النبي ﷺ: “ليس الكذّاب الذي يُصلح بين الناس، فيقول خيرًا أو ينمي خيرًا”، كما روت أمّ كلثوم رضي الله عنها أنّها لم تسمع النبي ﷺ يُرخّص في شيءٍ من الكذب إلا في ثلاث: الإصلاح بين الناس، والحرب، وحديث الرجل مع زوجته، وحديث المرأة مع زوجها.
والمقصود هنا أنّ الكذب الذي لا يتضمّن غدرًا ولا خداعًا، بل يهدف إلى تحقيق مصلحةٍ كبرى، كالإصلاح بين المتخاصمين أو في ظروف الحرب، يجوز إذا كان يؤدّي إلى نتائج إيجابية، كالمحبّة والألفة.
كما يجوز أن يُظهر الزوج لزوجته، أو الزوجة لزوجها، من الكلام اللطيف ما يعزّز المحبّة ويقوّي العلاقة، حتى وإن لم يكن مطابقًا تمامًا للواقع.
و السؤال هو: لما رخص الكذب في هذه المواقف بالضبط وحرم في غيرها؟
كما قلت في البداية، الوسيلة التي يجب اتخاذها للوصول إلى المبتغى يجب أن تساهم في الوصول إلى الغاية لا ان تسبب مشاكل ، فلا يمكن خلق مشاكل في هذا النوع من الكذب لأنه ليس مضرًا لصاحبه ولا مضرًا لغيره ولن يسبب مشاكل فيما بعد، بل هو يساهم بشكل أكبر في تحقيق الغاية وبمعنى آخر أن المشترك بين هذه المواقف هو أن الكذب فيها لا يعطي نتائج سلبيه مستقبلا بل عكس ذلك تماما.
قد يحتجّ البعض ويقول إنني أبرّر كلامي بدافع العاطفة، لأنني أراعي الآخرين والإنسانية. لكن منذ متى أصبح استخدام العقل يعني الانفصال عن المشاعر والإنسانية؟ ومنذ متى أصبحت القرارات العقلانية تدعو إلى التمرّد أو الإضرار بمصالح الآخرين وعدم مراعاة مشاعرهم؟
قد يكون القرار الأكثر عقلانية هو نفسه القرار الأكثر عاطفية في الوقت ذاته. فنحن نستخدم العقل والمنطق لتنظيم العاطفة وتوجيهها، لا للانفصال عنها في قراراتنا.
وما أقصده بالعاطفة هنا هو الإنسانية، والعطاء، والتعاطف، حتى لا نصبح مجرّد جثث تسعى وراء مصالحها دون اعتبار لآثار أفعالها على الآخرين.
وتذكّروا أنّ مراعاة مشاعر الآخرين والخوف من إفساد حياتهم لم تكن يومًا ضعفًا، بل هي دليل على الإنسانية ونقاء الروح. لذلك، لا ينبغي أن نتصوّر أنّ العقل ضدّ العاطفة، بل هما عنصران متكاملان يشكّلان توازن الإنسان؛ وأيّ خللٍ في أحدهما يجعل الإنسان ناقصًا من الداخل، ويؤثر على علاقته بنفسه وبمن حوله.


مبدعة💖